كُتاب الرأي

النقد بين الفهم والجمال

النقد بين الفهم والجمال

النقد في جوهره ليس سوطًا يُلهب ظهر الأدب، ولا سيفًا يشهره الناقد ليطيح برؤوس النصوص، بل هو عين فاحصة، وقلب بصير، وعقل يسعى إلى الكشف عن الجمال، ولعل الخلط الشائع بين “النقد” و”الذم” قد شوّه صورة هذا العلم العريق، فجعل البعض ينفرون منه، مع أن النقد هو روح الأدب ومرآته الصافية.
إن الأدب بشتى فروعه – من شعر وخطابة ومقامة ورواية – هو الميدان الرحب الذي يتحرك فيه النقد، فلا يكتمل الشعر إلا بميزان نقدي يُبرز جمال صوره وصدق عاطفته، ولا يُفهم النثر إلا بتحليل أساليبه وغاياته، ولا تزدهر القصة إلا إذا خضعت لعين ناقدة تكشف عمق شخصياتها ومتانة حبكتها.
وفي هذا الميدان الواسع، تبرز البلاغة كسلاح الناقد وأداته، فهي التي تمنحه القدرة على التذوق، وتكسبه اللسان الذي يُفصح به عن جمال النص أو هناته، وتجعله قادرًا على كشف أسرار التأثير الكامن في البيان.
في التراث العربي، لم يكن النقاد مجرد مصححين للأخطاء اللغوية أو العروضية، بل كانوا حراسًا للجمال، يسبرون أعماق النصوص ويكشفون ما فيها من دقائق فنية.
فالجرجاني في دلائل الإعجاز لم يكتفِ ببيان جمال النظم القرآني، بل وضع أسسًا لعلم بلاغي نقدي يوازن بين المعنى واللفظ، ويجعل اللغة كائنًا حيًا متحركًا في خدمة الفكر، وكذلك فعل قدامة بن جعفر حين فرّق بين “السرقة الأدبية” و”المحاكاة”، فأبان أن النقد ليس مجرد اتهام، بل هو فهم للسياق وتقدير لظروف الإبداع.
وفي الأدب الغربي، نرى الناقد الإنجليزي ماثيو آرنولد ينظر إلى النقد على أنه وسيلة لفهم الحياة من خلال الأدب، لا مجرد تفكيك نصي جاف، بل إن الناقد الفرنسي رولان بارت ذهب إلى أن النصوص ليست ملكًا للكاتب وحده، بل هي ملك لقرّائها الذين يعيدون إنتاجها عبر القراءة النقدية الواعية. وهنا تتجلى سعة النقد، فهو لا يقف عند حدود التشريح، بل ينفتح على آفاق التأويل والإبداع الموازي.
ولعلنا إذا قارنا بين موقفين نقديين: موقف النقاد القدامى كابن قتيبة الذي نظر إلى الشعر من زاوية عمود الشعر وأصالته، وموقف النقاد المحدثين الذين فتحوا الأبواب أمام الرمزية والحداثة، أدركنا أن النقد مرآة الأدب في كل العصور، فهو لا يكتفي بأن يحاكم النص، بل يعكس روح البيئة الفكرية والثقافية التي نشأ فيها.
النقد بهذا المعنى هو حوار حيّ بين الكاتب والقارئ والناقد، فالأديب حين يكتب لا يقصد الذوق الفردي وحده، وإنما يكتب ليُقرأ، وليُفهم، وليُحاكَم أدبيًا على ضوء معايير الجمال والصدق الفني.
والقارئ حين يتلقى النص لا يكتفي بالإعجاب أو الرفض، بل يساهم بفهمه في إغناء النص، أما الناقد، فهو الوسيط الذي ينظم هذا الحوار، فيضيء المسالك، ويرشد إلى مكامن القوة والضعف، ويضع العمل الأدبي في سياقه الثقافي والحضاري.
إن علم النقد إذًا ليس خصومة مع الأدب، بل هو حوار موازٍ له، يُبرز جماله ويقيه من السطحية والابتذال، هو فن التفسير والتأويل، وفن الإبانة عن القيم الكامنة وراء الحروف، ومتى ما أدركنا أن النقد يكمّل الأدب ولا ينقصه، وأن البلاغة لسانه وأداته، حينها تصبح النصوص أكثر حياة، والأدب أكثر خلودًا.
وهكذا يتبين لنا أن الأدب والنقد ليسا ترفًا معرفيًا ولا لونًا من ألوان اللهو الثقافي، بل هما من أهم العلوم الإنسانية التي تحفظ للشعوب هويتها، وتوثّق مسارها، وتكشف عن عمق تجربتها التاريخية.
فالأدب هو الذاكرة الحية التي تنبض بروح الأمة، والنقد هو العقل الذي يفسر هذه الذاكرة ويضيء معانيها، وإذا اجتمع الاثنان، صار التاريخ الثقافي للأمم أوضح، وصار وعيها بذاتها أرسخ، وصارت قادرة على مواجهة حاضرها وبناء مستقبلها على أسس من الوعي والجمال معًا.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى