كُتاب الرأي

الكتاب الذي لم يُقرأ

الكتاب الذي لم يُقرأ

الإنسان كتاب مفتوح على تعقيدات لا تُدرك من العنوان، ولا تُستخلص من فهرسٍ سريع، فلكل نفسٍ سطور مكتوبة بالحبر، وأخرى ممزوجة بالدمع، وثالثة لا تُقرأ إلا بحدسٍ صادق وقلبٍ نقي.
غير أن كثيرين لا يصبرون على القراءة المتأنية، فيلجؤون إلى التأليف السريع، يصوغون أحكامهم وفق أوهامٍ عابرة، وينسجون صورةً مشوهة عن الآخر لا تمتّ إلى حقيقته بصلة، وهنا تنشأ المأساة: أن تُفسَّر بغير ما أنت، وأن تُؤلَّف شخصيةٌ لا تمثلك، فتُدان بما لم تفعله، وتُنسَب إليك أقوالٌ لم تنطق بها.
أن تقرأني حقًا، يعني أن تقترب مني بوعي، أن تمنحني فرصة أن أشرح ذاتي كما أنا، لا كما يطيب لخيالك أن يتخيلني.
القراءة ليست مجرد تمرير النظر على السطور، بل هي معايشة للمعنى، وإصغاء لنبض الروح خلف الكلمات.
لا تُرهقني بمحاولات التأليف، فأنا لستُ مادة خامًا لأوهامك، ولا مرآةً لرغباتك، ولا ظلاً لتصوراتك المسبقة، اقرأني أولًا، وافهمني كما كُتبت، بصدقٍ وتجرّد، عندها فقط يحق لك أن تحكم، أو تصمت.
فالبشر — مثلما الكتب — فيهم السهل العذب وفيهم العصيّ المستغلق، غير أن الجميع يستحق أن يُقرأ قبل أن يُؤلَّف.
فلا تُقاس الأرواح بظنونك، ولا تُختصر النفوس بخيالاتك، إن أخطأتَ القراءة، فلستَ سوى عابرٍ على السطح؛ أما أنا فبحرٌ عميق، لا يكشف سرَّه إلا الغوّاصون، فاقرأني كما أنا، أو دعني كما كُنت… فما أهون أن يُظلَم كتابٌ لم يُفتح، وما أوجع أن يُؤلَّف كتابٌ لم يُقرأ.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى