كُتاب الرأي

التربية .. وفقدان السيطرة

 

بقلم/ د. شادي الكفارنة.
يحاول الإنسان في الحالة الطبيعيّة أن يكوّن أسرة مستقرة يقضي حياته في بنائها ، ويعيش من أجلها، ويسعى الأبوان فيها أن يضبطا سلوك أبنائهما بوسائل تربوية مبنية على القيم الأخلاقية التي تناسب العصر والواقع المعيش، لكن في حالات الأزمات والطوارئ التي نعيشها بسبب الحرب على قطاع غزة خاصة تغيرت المقاييس الاجتماعية والمعايير الأسرية والتنشئة السلوكية و الانضباطات التربوية ، وأثرت الحرب على تركيبة الأسرة وبنية تكوينها، وعلى علاقات الأزواج في تنظيم أدوارهما كزوجين وعلى أبنائهما، و على كل مكونات الأسرة كافةً، يمر الأبوان بالانتقال من مرحلة تعثر السيطرة في أنهم لم يبلغوا مرادهم وهدفهم على ضبط سلوك أبنائهما إلى مرحلة فقدان وضياع وخسران السيطرة الحقيقية على سلوكهم، وخالف الأبناء توجيهاتهم والانصياع لأوامرهم الوالدية وللتعليمات الإرشادية وتجاهل النصائح التربوية، وانحرفوا عن مسار المعايير التربوية والمقاييس السلوكية لِما أصاب الأسرة من فوضى تربوية، وكما فقد الأبوان السيطرة على ضبط تمرد سلوك أبنائهما والتنمر في كلامهم والتعنت في مواقفهم والتعصب في تصرفاتهم والشعور بفقدان أمنهم حتى تعرض أفراد المجتمع لكل أشكال العنف في الحرب، وتأثر الأبوان من هذا العنف وأصبح عنفًا دوارًا من فظائع الحرب على الزوج ، ومن الزوج على الزوجة أو العكس، ومن الأبوين على الأبناء وأيضًا العكس، ومنهم على غيرهم وهكذا دواليك من العنف الدوار ، ولقد عرّضت الحرب الأبناء لكل أشكال العنف ، وفقدانهم كثير من حقوقهم وطاقة تحملهم، وإهمال معاملة والديهم وانشغالهم في توفير احتياجاتهم الأساسية وتحقيق العيش بأمان وسلام، وتعامل الأبناء بقسوة واللجوء دائماً إلى عقابهم بدنياً “الضرب” أو تهديدهم إذا أخطأوا أو لم يطيعوا أوامرهما، كما إثارة الألم النفسي عن طريق إشعار الأبناء بالذنب كلما أتوا بسلوك غير مرغوب فيه، كما يكون ذلك عن طريق تحقير الأبناء والتقليل من شأنهم، والتذبذب في المعاملة في عدم الاتساق في المعاملة الوالدية للأبناء حيث لا يعاملان الأبناء معاملة واحدة في الموقف الواحد، بل هناك تذبذب قد يصل إلى درجة التناقض في الموقف الواحد.
إن آباء الأسر كبيرة العدد واجهوا صعوبات مضاعفة في التعامل مع الأبناء من اتساع حجم مسؤولياتهم وتشتيت دورهم وزيادة الإنفاق على أبنائهم والعطاء من أجلهم والتضحيات لنجاتهم، مما أدى ذلك إلى التقليل من ضبط سلوكهم في الأسرة ، وفقْد الآباء السيطرة على ضبط سلوك الأبناء في الحرب، وبات الكل همه الأول ترتيب أولويات البقاء على قيد الحياة فقط، قبل أن يهتموا في إدارة تنظيم أسرهم وحماية أفرادهم، فعلاً إن الحرب أزمّت مناحي حياتنا المجتمعيّة وصدّرت أزماته على سكانه، وأصبحوا يعيشون فوضى تنظيم حياتهم؛ لذلك تأثر الجميع من فقدان السيطرة التربوية والمتأثر الأكثر هم الأبناء من انحراف سلوكهم وتجاوز حد اعتدالهم في تصرفاتهم اليوميّة.

أخيرًا…
إن الحرب شوهت الفكر ومزقت العقل وأخرت الفهم وعطلت الانضباط وبعثرت السلوك؛ لذلك يجب علينا الاهتمام بإعادة بناء ثقة أبنائنا ، وتقوية صلابة نفسياتهم ، وتهذيب سلوكياتهم، والتخفيف من حالة الإهمال والقسوة والتجاهل تجاههم، وتجنب تعرضهم لكل أشكال العنف الممارس عليهم من جراء كارثة الحرب على قطاع غزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى